2014/06/24

9:32 م

قصة قصيرة

قصة قصيرة قصة قصيرة للكاتب لؤي السعداوي


اسمٌ يدل على مقتضى الحال ومسماه أقل ما يقال فيه (روعة)

من بلادٍ حباها الله بنعمة الوئام

وأسرةٍ صغيرةٍ لا تعرف غير الحب طريقاً للحياة,

لم يكتب قصتها قلمٌ بل قصتها هي التي كتبتها ،


وها انا استمع لهمسات صوت القصة وهي تخبرني عن روعة وتقول :

- بدأت معها وبدأت معي بين ابوين في قمة السعادة ،

وكيف لا وقد توج حبهما بالزواج وأنا نتاج ذلك الحب العظيم

كنا محط حبٍ واحترامٍ من قبل أهل بلدتنا الصغيرة المتحابة المتعايشة بسلامٍ ،،

فالجميع يستيقظ كل صباحٍ على صوت الحاج عبد المنعم وهو يؤذن لصلاة الفجر ،

معانقاً صوت ابي وهو يتلو : (المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وللناس المسرّات) .

لكني كنت دائماً ما اصحو متأخرةً وبسرعةٍ فائقةٍ اسابق الزمن لأصل للجامعة مع بداية المحاضرة الأولى او بعدها بقليلٍ ،

وأستمع إلى سنفونية الصباح التي تعودت على سماعها من أساتذتي

- "ليش عم تتأخري يا روعة هيك عمرك ما بتصيري رسامة ")

سرعان ما تتغير تلك النغمة عندما يشاهدوني وانا امسك الفرشاة والألوان وأبدأ بالرسم .

حياةٌ هانئةٌ على شدة بساطتها ، أقضي المتبقي من اليوم في مرسمي الصغير وأنا ارسم ما أحلم به ،،

بيتٌ صغيرٌ أسكن فيه أنا وحبيب الطفولة (حسام) الذي لم يفارقني ولم افارقه ،

أو وردةً ما بين يدي امي وأبي او صورة أختي نقاء وهي تكتب واجباتها المدرسية ،

أو صورةً لأخي فادي وهو يشاكس بنات الجيران أو صورً شخصيةً لصديقاتي ،

أو منظرً من مناظر جبل قاسيون وهو يقف شامخاً ...

وما بين ليلةٍ وضحاها وفي ليلةٍ من ليالي الربيع العربي المحرقة انقلبت الأحوال رأساً على عقب ...

كأني في كابوسٍ او اشاهد فيلم رعبٍ من أفلام هوليود ،،

صوت الرصاص, خوفٌ وبكاءٌ, وصراخٌ, وعويلٌ في كل اتجاهٍ ،

رائحة البارود تكاد تخنق رائحة الزهور ...

لم أعد اشاهد علبة الالوان! لقد القيت على الارض كل تلك الألوان, وتحطمت لوحاتي الجميلة ،

لم أر سوى اللون الأحمر القاني والاسود الحالك الظلمة .

لقد بح صوت الحاج عبد المنعم وصوت أبي ،،، ها هم الغرباء يحتلون بيتنا ويطردونا من بلدتنا لنهاجر مرغمين لأحدى دول الجوار ..

بعد عناءٍ طويلٍ وجدنا مسكناً صغيراً ، الجميع رتب أوراقه وتأقلم مع الوضع الجديد .

أبي وجد عملاً متواضعاً بعد عناءٍ طويلٍ ، وأمي تمكنت من كسب ود الجيران،

وأخي يمارس هوايته المعتادة في الوقوف على شرفة المسكن ، وأختي التحقت بالدراسة في بلد الغربة وبدأت تتحدث بلهجتهم.

إلا أنا توقفت عند صورة حسام مرتدياً البزة العسكرية وهو يصيح بأبي :

- "لا تهربوا لا تهربوا".

حاولت الاتصال به لكن في كل مرة تخيب آمالي وفي كل ليلة أخاطبه قائلة" :

يا حب العمر إلى متى سأنتظر ،

كلمة ، نظرة ، همسة ،

إلى متى تخوض معاركك وتنسى بأن هناك من يترقب إطلالتك ؟

كم بقي من العمر لكي اضيعه في انتظارك ؟

وكم بقي من الشوق لأنثره تحت قدميك...؟؟؟

في ذات يومٍ من الأيام ونحن جالسون نشاهد الأخبار على التلفاز وصور الحرب انتفض فادي صارخاً :

- لا بد من أن أعود لبلدي لابد أن أدافع عنها ...

كنا نظنّ أنه فقط يعبر عن انفعالٍ وقتي لم يكن احدٌ يتصور أنه سيترك البيت فيما بعد ويعود بمفرده ويصاب بإحدا المعارك ويفقد ساقيه ،

وما زاد الأوضاع سوءاً وفاة ابي المفاجئة .

تغير حال البيت فأصبح عبارةً عن مئتمٍ لا يسمع فيه غير البكاء على أبٍ مات حزناً وكمداً وعلى وطنٍ وأخٍ جريح .

الآن اصبحت ملزمةً أن اسعى بطلب الرزق وتأمين متطلبات الحيا اليومية والسكن فقررت أن ابحث عن عملٍ وبصعوبة وجدت لوحةً في أحد المولات مكتوبٌ فيها مطلوب عاملةٌ .

أسرعت للدخول وقابلت صاحب المحل فحال ما عرف بأني لست من اهل بلده رفض قائلاً :

- "لا عمل عندي للغرباء".

عدت للبيت منكسرةً حزينةً بعد ما بعت اقراطي وخواتمي بسعرٍ بخس وفي طريق عودتي ركبت الباص وكانت تجلس بجانبي سيدةٌ فتحدثت معي ومن لهجتي عرفت اني غريبة فرحبت بي ،

واخبرتها بأني ابحث عن عملٍ ، فضحكت قائلةً :

- "عندي لك عملٌ ، ستعملين مصممة أزياءٍ لديّ .

فرحت بذلك وشكرتها

في اليوم التالي ذهبت لمحل الخياطة الذي تملكه تلك السيدة لكني لم أجدها بال وجدت زوجها يدير الأمور لأنها تملك العديد من محلات الخياطة .

أعجبت هي وزوجها بالتصاميم التي أعددتها وسرعان ما كسبت ودها وأصبحت صديقةً لي ، لكن ...

لكن كانت نظرات زوجها تبعث على الارتياب فهو يلاحقني أينما ذهبت ، عرض علي ان يوصلني للبيت بسيارته مراتً عديدةً وكنت أرفض شاكرة ، في احد الأيام صرف لي مكافئةً كبيرةً فتعجبت لذلك لكني أبديت له امتناني .

في اليوم التالي دخل الغرفة التي أعمل فيها واغلق الباب ففزعت وعرفت قصده حاول أن يغريني لكن رفضت ،

فقرر طردي من العمل وخرجت لا أعلم ماذا أفعل ،

وبعد دقائقٍ اتصلت صاحبة المحل وهي تنهال علي بأنواع الشتائم والسباب وكلماتٍ لم اسمع بهن طيلة سنوات عمري حاولت ان أفهمها الحقيقة لكن مندون جدوا ...

نفد ما عندي من نقودٍف خرجت مرة اخرى للبحث عن عملٍ لكن لم اجد

فمررت بمحلٍ لبيع اللوحات الفنية وهناك جذبتني احدى اللوحات التي كانت معروضة للبيع

وقفت أمامها طويلاً وعادت بي السنين لوطني ولمرسمي حينما كنت ارسم تلك اللوحات


وانتقلت إلى عالم الخيال وأنا اجول بفكري بين طيات الوان تلك اللوحة

لم اشعر بما حولي إلا عندما خاطبني صاحب المحل :

- "تشترين أم تتفرجين؟ "

فقلت له :

- لو لم أكن على غير حالي, لاشتريت .

فتساءل :

- وما حالك وأنت فتاة أنيقة ، مظهرك ينبئ بأنك من أسرة ميسورة الحال ؟

دار حديث بيني وبينه وعندما عرف بأني رسامة عرض علي ان ارسم لوحات معينة وصور شخصية ويبيعها في المحل مقابل اجر ثابت, ..

جهزني بالمواد اللازمة .. وعدت للبيت وحولت احدى جوانب الغرفة إلى مرسم.

لكن هذا العمل غير مجدي, ولا يكاد يسد رمق العائلة فضلاً عن اجار المسكن ,لأن من يشتري اللوحات قليلون.

وبعد تفكير عميق قررت أن اعود لبلدي لعلي اجد قوت يومي

فإن وطناً يحتضن حتى أعدائه والموغلين في نزف جراحه لهو أولى بأن يحنو علينا بقلبه الرؤوم ويضمنا بين ثناياه أحياءًً وأمواتاً لأننا أبناؤه .

ماذا بعد ؟

عندما تستحيل حتى الذكريات إلى رماد ، ويصبح الحاضر كابوس لا يمكن الفرار منه ،

ويغيب الأعزاء ونرحل لنتركهم أجساد متوارية في أرض الغربة.

ماذا بعد ؟

عندما ترجع إلى بيتك بعد غياب سنين فتجد أنه لم يعد بيتك ، إنما اصبح مقرّا للغرباء

وتجد الجيران الذين طالما جمعتك بهم أسعد الأيام حاملين بنادقهم ليطردوك قبل أن تدخل دارك ؟

الم نكن نغني سوياً للفرح

واليوم أردد وحدي

- كان ياما كان ...

لقد رجعت أنا وأمي وأختي إلى بلدتي الصغيرة التي أردت أن ألوذ بها هربا من الغربة وذلها ،،

فإذا هي فاغرة فاهها تروم افتراسي ،، إذ لم يعد لي فيها منزلا ولا أمانا ..

لذلك إنتقلنا للعيش مع خالتي التي تسكن في منطقة أخرى هي وابنتها فقدمت لنا ما تستطيع لنشعر بالراحة ،، أضف إلى كونها كانت تتولى رعاية أخي ..

أما حسام فلم يسأل عني ولو مرة واحدة في الوقت الذي حاولت فيه استقصاء أخباره والاتصال به دون جدوى ..

تهيأت لي فرصة للعمل في صالون حلاقة نسائي مع ابنة خالتي .. ،،

وهاأنا أتم تصفيف شعر أحدى العرائس ووقفت أتأملها كانت سعيدة ولا أدري لماذا خطر حسام وقصتي معه على بالي ،، فإذا بالزغاريد تتعالى من خارج الصالون ،

فالتفتّ لأرى من خلف الزجاج حسام يومئ لها بابتسامة عريضة ،،

نهضت العروس سائرة باتجاه الباب فاستقبلها بوضع ذراعها في ذراعه وسط التبريكات والأهازيج

مبارك يا عريس مبارك ..........


هذا ما نطقت به روعة عن القصة او ما نطقت به القصة عن روعة ،
وما لم تقله تركته للزمن قد يكتبه في نهاية المطاف ليضع النهاية التي كتبها الله لها ،،
وأرجوا أن تكون نهاية سعيدة لاسم يدل على مقتضى الحال لمسمى أقل ما يقال فيه روعة 
Blogger تعليقات
Disqus تعليقات
اختر نظام التعليقات الذي تفضله

ليست هناك تعليقات